الشيخ محمد الصادقي
42
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
فيهما ، ولكي تتفرع عليه فروعه فعلًا للمعروف وتركاً للمنكر ، توفيراً للجهود المبعثره هنا وهناك ، وحشداً لها في جبهات موحَّدة قوية صارمة ، في الأوَّل فالأوَّل من المنكرات الأساسية لإقامة الأسس التي عليها وحدة البنيان لصرح الإيمان . ذلك ، واضعف الإيمان انكار المنكر بالقلب وكما في حديث الرسول صلى الله عليه وآله « من رأى منكراً فليغيِّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه » وليس هذا موقفاً سلبياً تجاه المنكر ، فإنكار المنكر بالقلب - حين لا يستطع الناهي إنكاراً بيده أو لسانه - يعني احتفاظ القلب بإيجابيته تجاه المنكر ، كالماء المختزن في خزانته ليروي العطاش عند الإمكانية والاستطاعة ، فلابد للمؤمن أن يملأ خزانة قلبه من إنكار المنكر حتى إذا وجد سبيلًا لإنكاره بيده أو لسانه أنكره بهما من فوره ، أم ولأقل تقدير لا يتأثر بالمنكرات المفعولة . فقد تقيد آيةالتناهي - هذه - الآيات المشترطة بصورة طليقة واجب الأمر والنهي بتحقيق المعروف وترك المنكر ككل في الآمر والناهي ، تقيِّدها بالمعروف المتروك للآمر والمنكر المفعول للناهي ، فليس الشرط العدالة الطليقة للآمر فلا يكفي العدول لتحقيق هذين الواجبين ، ثم فأين التناهي - إذاً - فيما إذا ينهى عما لا يقترفه من منكر ، ثم يُنهى عما يقترفه من منكر آخر ، فجو التآمر والتناهي هو الجو الصالح الإيماني برقابة صالحة بين المؤمنين حيث المؤمن مرآت المؤمن و « الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ » . وكما التارك للمعروف والفاعل للمنكر ملعون على ألسنة رسل اللَّه ، كذلك - وبأحرى - التاركون للتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر ، كما لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم بثالوث « 1 » : « 1 - بما عصوا 2 - وكانوا
--> ( 1 ) ) . نور الثقلين 1 : 660 عن تفسير القمي بسند متصل عن مسعدة بن صدقة قال سأل رجل أبا عبد اللَّه عليه السلام من قوم من الشيعة يدخلون في اعمال السلطان ويعملون لهم ويحبّون لهم ويوالونهم ؟ قال : ليس هم من الشيعة ولكنهم من أولئك ثم قرأ : « لُعِنَ الَّذِينَ - إلى قوله - وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ » قال : الخنازير على لسان داود والقردة على لسان عيسى عليهما السلام . وفيه عنه أبى عبد اللَّه عليه السلام قال : لما بلغ أمير المؤمنين عليه السلام امر معاوية وانه في مائة الف قال : من أي القوم ؟ قالوا : من أهل الشام ، قال عليه السلام : لا تقولوا من أهل الشام ولكن قولوا من أهل الشؤم ، هم من أبناء مصر لعنوا على لسان داوود فجعل اللَّه منهم القردة والخنازير . .